يشهد القرن الأفريقي وبخاصة الصومال تحولا استراتيجيا عميقا يعيد تعريف مكانته في المعادلات الجيوسياسية والاقتصادية الإقليمية والدولية فبعد عقود من الصراعات وعدم الاستقرار بدأ هذا الإقليم يستعيد حضوره كفاعل مؤثر مستندا إلى موقعه الاستراتيجي الفريد وإلى تحولات إقليمية ودولية متسارعة فالصومال الذي يمتلك أطول ساحل في أفريقيا بطول يتجاوز 3300 كيلومتر يقع عند ملتقى طرق التجارة البحرية الحيوية التي تنقل أكثر من 40% من إمدادات النفط العالمية وحوالي 30% من التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس.
يمتد القرن الأفريقي على شكل قرن بارز في أقصى الشرق الإفريقي ويضم دولا رئيسية هي الصومال، إثيوبيا، جيبوتي، وإريتريا، بينما تتسع المنطقة من الزاوية السياسية والاقتصادية لتشمل كينيا والسودان وجنوب السودان وأوغندا يفصل البحر الأحمر المنطقة عن شبه الجزيرة العربية حيث تقع دول الخليج العربي على الضفة المقابلة مما يخلق وحدة جغرافية واستراتيجية متكاملة هذا الترابط المكاني جعل منطقة القرن الأفريقي ودول الخليج تشكلان كتلة جيوسياسية متصلة إذ تتحكم دول القرن في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر عبر مضيق باب المندب بينما تطل دول الخليج على مياه الخليج العربي ومضيق هرمز وقد جعل هذا الموقع الفريد المنطقة محوراً للتنافس الدولي والإقليمي خاصة بعد اكتشاف النفط في شبه الجزيرة العربية وافتتاح قناة السويس عام 1869 غير أن هذا الاهتمام المتجدد بالقرن الأفريقي لا يأتي في فراغ بل يتزامن مع تحولات جيوسياسية كبرى في الشرق الأوسط حيث تحولت المضائق الاستراتيجية إلى ساحات مواجهة مما أعاد تشكيل أولويات القوى الإقليمية والدولية وألقى بظلاله على موازين القوى في المنطقة بأسرها لقد شكلت الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط التي اندلعت في فبراير 2026 بهجمات أمريكية إسرائيلية مشتركة على إيران نقطة تحول جذرية في أمن الطاقة العالمي حيث تحولت أهم الممرات المائية في المنطقة من شرايين حيوية للتجارة إلى ساحات مواجهة عسكرية ما أدى إلى حصار فعلي لدول الخليج من بواباتها الرئيسية: مضيق هرمز وباب المندب ففي أعقاب الهجوم على إيران ردت طهران بإغلاق مضيق هرمز فعليا وهو الممر الذي كان يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم قبل الحرب وقد أدى هذا الإجراء إلى شلل شبه تام في حركة الملاحة عبر المضيق حيث منعت إيران معظم السفن من دخول هذا الممر الاستراتيجي ووصف الرئيس التنفيذي لمؤسسة البترول الكويتية الوضع قائلاً إنه (لا يوجد بديل لمضيق هرمز) مؤكداً أن هذا المضيق هو ملك للعالم أجمع بموجب القانون الدولي وبحكم الواقع العملي في المقابل أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن البحرية الأمريكية تسيطر (بشكل كامل) على المضيق لكن إيران واصلت هجماتها وعملياتها التي عرقلت الحركة الملاحية فيه بشكل كبير.
ومع إغلاق مضيق هرمز تحول مضيق باب المندب الواقع عند الطرف الجنوبي للبحر الأحمر إلى ممر بديل حيوي لصادرات النفط الخليجية خاصة للمملكة العربية السعودية التي ضاعفت صادراتها عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر لتصل إلى نحو أربعة ملايين برميل يوميا غير أن هذا المسار البديل لم يدم طويلا إذ أعاد الحوثيون المدعومون من إيران إحياء هجماتهم البحرية واستولوا ميناء مخة وجميع الجزر اليمنية في مضيق باب المندب بعد معركة ضد قوات الحكومة في سبتمبر الجاري 2026 بعد فترة توقف دامت تسعة أشهر مستهدفين بشكل مباشر المملكة العربية السعودية وأعلن الحوثيون فرض حصار بحري على السفن القادمة من السعودية مما جعل صادرات النفط السعودية عبر البحر الأحمر والتي تمثل أكثر من نصف صادراتها النفطية قبل الحرب عرضة للخطر بشكل مباشر وفي تطور خطير قتل ستة أشخاص على الأقل في هجوم بصواريخ باليستية حوثية استهدف سفينة في مضيق باب المندب في أول خسائر بشرية معروفة من هجمات الحوثيين على الشحن منذ بداية الحرب وقد وضع حصار المضيقين دول الخليج أمام تحد غير مسبوق حيث أصبحت منافذها التصديرية الرئيسية إما مغلقة أو تحت تهديد مباشر وقد عكس هذا الواقع في أسواق النفط حيث ارتفعت أسعار اكثر من 100 دولارا للبرميل وهو أعلى مستوى منذ يونيو 2026 فيما اتسع الفارق بين العقود الفورية والمستقبلية مما يشير إلى تشدد في الإمدادات القريبة واضطرت شركات الشحن للجوء إلى طريق رأس الرجاء الصالح كبديل وهو ما يطيل مدة الرحلة من حوالي 19 يوما إلى ما يقارب 50 يوما ويضيف أكثر من 5 ملايين دولار إلى تكلفة الشحنة الواحدة دون احتساب رسوم قناة السويس التي تصل إلى مليون دولار إضافي مما يرفع تكاليف الطاقة والسلع في مختلف أنحاء العالم وقد قدرت بعض التقارير أن إغلاقا مزدوجاً لمضيق هرمز وباب المندب بشكل متزامن قد يتسبب في صدمة أكبر بكثير من أي حصار منفرد.
وفي مواجهة هذا الحصار سعت دول الخليج إلى تفعيل مسارات بديلة لكن قدراتها كانت محدودة فقد اعتمدت السعودية بشكل أكبر على خط أنابيب (شرق/غرب)(بترولاين) لنقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر بطاقة تصل إلى 7 ملايين برميل يوميا وهو ما سمح لها بمواصلة الصادرات كما استخدمت خط أنابيب (سوميد)عبر مصر لنقل النفط من ينبع إلى ميناء سيدي كرير على البحر المتوسط لكن طاقته لا تتجاوز 2.5 مليون برميل يوميا بينما استفادت الإمارات من خط أنابيب حبشان/الفجيرة الذي يربط حقول أبو ظبي بميناء الفجيرة على خليج عمان بطاقة 1.8 مليون برميل يوميا مما يسمح بتجاوز مضيقي هرمز وباب المندب والوصول مباشرة إلى المحيط الهندي والأسواق الآسيوية وأعاد العراق تشغيل خط أنابيب كركوك/جيهان التركي لكن قدرته المحدودة (250 ألف برميل يوميا) تجعله غير كاف لتعويض صادراته البالغة نحو 3.4 ملايين برميل يوميا.
في خضم هذه التحولات الإقليمية المضطربة يشهد القرن الأفريقي والصومال في قلبه تحولات جيوسياسية معقدة تتداخل فيها قضايا الأمن الداخلي مع الصراعات الإقليمية والنفوذ الخارجي فقد أصبح البحر الأحمر ممرا حيويا يشهد تكدسا استراتيجيا حيث تتصارع فيه المصالح المختلفة للقوى الإقليمية والدولية وفي عام 2017م ظهرت مؤشرات على تحول استراتيجي في السياسة السعودية تجاه القرن الأفريقي حيث سعت الرياض إلى تقليص ارتباطها بالصومال ودول المنطقة لصالح تحالفات جديدة وقد تجلى هذا التوجه في تصريحات اللواء أنور عشقي الذي كان نائب رئيس المخابرات السعودية آنذاك حين اقترح ضم دول القرن الأفريقي إلى إثيوبيا وهو اقتراح يعكس نظرة مختزلة تجاه عمق العلاقات التاريخية والجغرافية التي تربط شبه الجزيرة العربية بالصومال غير أن هذا الطرح تجاهل حقيقة أساسية الصومال ليست مجرد دولة عابرة في المنطقة بل هي حديقة الخلفية الاستراتيجية لدول جزيرة العرب فموقعها المطل على البحر الأحمر وخليج عدن ومحيط الهند وشريطها الساحلي الطويل يجعلها بوابة أمنية واقتصادية حيوية لأمن السعودية ودول الخليج فالتخلي عن الصومال أو إهماله يفتح المجال لنفوذ قوى أخرى قد تهدد الأمن الإقليمي وهو ما يفسر استمرار الاهتمام السعودي بالملف الصومالي رغم التوجهات المتغيرة أما فيما يتعلق بالتقارب السعودي الإسرائيلي في 2017م فقد جاء مدفوعا بالرغبة المشتركة في مواجهة النفوذ الإيراني المتصاعد في المنطقة حيث جمعت المصالح الاستراتيجية بين الطرفين على الرغم من الخصومة التاريخية وقد أبدى مسؤولون إسرائيليون استعدادهم لمشاركة السعودية المعلومات الاستخباراتية في مواجهة التهديد الإيراني غير أن هذا التقارب رغم حداثته أثار تساؤلات حول تأثيره على موقف السعودية التقليدي الداعم للقضية الفلسطينية إذ أكدت الرياض تمسكها بمبادرة السلام العربية كأساس لأي تطبيع.
في المقابل شعرت مصر بخطورة الوضع بعد بناء سد النهضة الإثيوبي حيث أدركت القاهرة أن أمنها المائي بات مهددا بشكل وجودي وقد تزامنت أزمة السد مع انهيار الأوضاع في دول الجوار خاصة السودان وليبيا مما خلق شعوراً لدى المسؤولين المصريين بأن البلاد محاصرة من كل اتجاه وقد سعت مصر إلى كسر هذا الحصار عبر تعزيز علاقاتها مع دول حوض النيل حيث قام الرئيس السيسي بجولة أفريقية في أغسطس 2017م شملت تنزانيا ورواندا والجابون وتشاد بهدف تأمين الدعم لقضية المياه المصرية وفتح أسواق جديدة أمام الاقتصاد المصري , كما لجأت القاهرة إلى جامعة الدول العربية حيث أكد الأمين العام أحمد أبو الغيط أن الأمن المائي المصري هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي معربا عن القلق من غموض الخطط الإثيوبية لتشغيل السد لكن جهود مصر واجهت عقبات كبيرة حيث تمسكت إثيوبيا بموقفها معتبرة أن السد يمثل حقا سياديا في التنمية بينما رأت مصر أن المطالب الإثيوبية تتعارض مع حقوقها التاريخية في مياه النيل وقد تطورت الأزمة لاحقا إلى صراع سياسي ودبلوماسي حيث طلبت مصر عقد جلسة لمجلس الأمن الدولي في مارس 2020م لبحث أزمة السد معتبرة أن الملء الأحادي للخزان يشكل تهديدا للأمن والسلم الدوليين وفي سياق هذه التطورات اتخذت مصر خطوة استراتيجية بتعزيز وجودها العسكري في الصومال حيث وقعت اتفاقية دفاع مشترك مع مقديشو مما أتاح نشر قوات مصرية في البلاد في إطار تحضيري لمواجهة محتملة مع إثيوبيا وقد رأى مراقبون أن هذه الخطوة تهدف إلى الضغط على أديس أبابا من جبهة جديدة ما يعكس استراتيجية مصرية للخروج من شعور الحصار الجغرافي الذي فرضته أزمة السد وانهيار دول الجوار وتبرز هنا قضية الاعتراف بما يسمى بـ(أرض الصومال) كمتغير رئيسي أعاد تشكيل المعادلات الدبلوماسية حيث أثار قرار إسرائيل الاعتراف بها نهاية عام 2025م موجة من التحركات الدبلوماسية الإقليمية لا سيما من مصر وقطر التي أكدت دعمها لوحدة الصومال وسيادته.
على الصعيد الداخلي يواصل الصومال معركته ضد حركات الارهابية حيث حققت قوات الأمن في ولاية بونتلاند انتصارا على مقاتلي تنظيم داعش الذي اتخذ من المناطق الجبلية في إقليم الشرق قاعدة واسعة له وتألف هذا التنظيم من عدد كبير من الإرهابيين، معظمهم من الأجانب وقد لفت هذا الأمر انتباه العالم إلى قوات بونتلاند وحظي بترحيب من دول كبرى لاسيما الولايات المتحدة على الرغم من عدم تلقي قوات بونتلاند أي دعم من الحكومة الصومالية أو أي دولة أخرى في العالم لكن لسوء الحظ فشلت الحكومة الصومالية في مكافحة إرهاب حركة الشباب رغم الدعم الدولي الكبير الذي تحظى به ووجود عدد كبير من قوات حفظ السلام الأفريقية إلا أن تفشي الفساد والعلاقة السرية التي تربط بين المسؤولين الحكوميين وإرهابيي حركة الشباب أديا إلى فشل قوات الأمن التابعة للحكومة الفيدرالية بشكل متكرر نتيجة لتراجع مستوى تدريبها وكفاءتها ونتيجة لذلك اقتصر دور القوات الحكومية على حماية المنشآت الحكومية فقط بل وصل الأمر إلى حد قيام إرهابيين بتحصيل الضرائب جزئيا من الشركات والافراد في العاصمة مقديشو والمناطق المحيطة بها مما أثار استياء واسعا لدى الشعب الصومالي في تلك المناطق.
إذا عدنا إلى الجانب الاقتصادي يبدو أن الصومال قد أعاد النظر نحو الاقتصاد الأزرق الذي يزخر به الصومال وهو اقتصاد لم تستغله الحكومات المتعاقبة أو لم توليه الاهتمام الواجب وفي الوقت نفسه يشكل الاقتصاد الأزرق محورا أساسيا في استراتيجية الصومال الجديدة حيث أعلنت الحكومة عن خطط لتنمية قطاع بحري قيمته تقدر بنحو 2 مليار دولار مع التركيز على حماية الموارد البحرية وجذب الاستثمارات ومكافحة الصيد الجائر وغير القانوني الذي تمارسه سفن من الصين وكوريا الجنوبية وأخرى غير مرخصة وتأتي هذه الجهود في وقت شهد الصومال أول مؤتمر بحري وطني في أغسطس 2026م حيث تم التأكيد على التحول من نظرة الأمن البحري المرتبطة بالقرصنة إلى رؤية تنموية شاملة.
أما فيما يتعلق بالنفط والطاقة فيمثل بدء عمليات التنقيب عن النفط في المياه الصومالية لأول مرة في تاريخ البلاد باستخدام السفينة التركية (تشاغري باي) نقطة تحول كبرى وتشير التقديرات إلى وجود احتياطيات نفطية محتملة تتراوح بين 30 و40 مليار برميل مكافئ وقد تمهد هذه الخطوة التي جاءت بعد اتفاق تعاون هيدروكربوني مع تركيا عام 2024م لتأسيس قطاع طاقة بحري يمكن أن يعيد تشكيل الاقتصاد الصومالي ويعزز مكانته الإقليمية , غير أن هذا التطور يحمل مخاطر كبيرة حيث أثارت شروط الاتفاقية مع تركيا التي تسمح للشركة التركية بالاحتفاظ بنسبة تصل إلى 90% من الإيرادات في المراحل المبكرة على الرغم من وجود من ينتقدون الاتفاقية بين البلدين وطريقة التقاسم عليها يرى كثيرون فيها فرصة لاكتشاف ما إذا كان الصومال يمتلك نفطا أم لاويعتقدون أنه في حال تحقق ذلك سيشكل النفط في الصومال حافزا للعديد من الشركات المهتمة به لا سيما بعد استحواذ الشركات التركية على ثلاثة قطاعات علما بأن البحر الصومالي يضم 206 قطاعات غير قطاعات البرية وينظر إلى هذا كحافز للشركات الأجنبية كما يمكن أن يمثل حافزا وتجربة لكلا البلدين وخاصة للشركات التركية التي تفتقر إلى الخبرة في المناطق الواقعة خارج أراضيها وفي مياه العميقة كما أن تدفق الثروة النفطية إلى دولة لا تزال تعاني من ضعف المؤسسات وهشاشة سياسية ربما قد يفاقم الفساد ونزاعات توزيع الثروة ويجعل البنية التحتية النفطية أهدافا للهجمات مع ذلك من الممكن أن يكون للنفط تأثير كبير وفوري على حياة الشعب الصومالي إذ أن معظم مشاكل الصومال متجذرة في الفقر المستشري الذي عانى منه الصومال لقرون إضافةً إلى ذلك سيتيح النفط للشعب الصومالي فرصة سانحة لتطوير قطاعات أخرى كالزراعة وتربية المواشي وصيد الأسماك, كما أن الصومال دولة قيدرالية وهناك اتفاقية بين الحكومة الاتحادية والولايات توزع الثروة بالتساوي بين جميع الهيئات الحكومية ما يُتوقع أن يُقلل من إساءة استخدام الحكومة المركزية لهذه الثروة.
في ظل هذه التحولات الجيوسياسية المتلاحقة يبرز دور الصومال كحليف استراتيجي لا غنى عنه لدول الخليج ليس فقط من منظور عسكري وأمني بل أيضاً من زاوية اقتصادية وخدماتية حيوية.
إن الموقع الفريد للصومال الذي يسيطر على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر عبر مضيق باب المندب ووقوعه في ملتقى البحار يجعله الخيار الأمثل لدول الخليج لتأمين مصالحها الحيوية بعيدا عن مناطق الصراع في الشرق الأوسط. فمن ناحية الطاقة أصبح من الضروري لدول الخليج أن تنظر إلى الصومال كمنطقة آمنة لإنشاء خزانات نفطية ضخمة ومصافي لتكرير النفط إن نقل جزء من البنية التحتية النفطية الخليجية إلى السواحل الصومالية التي تمتد لأكثر من 3300 كيلومتر سيوفر بديلا استراتيجيا آمناً بعيدا عن مخاطر إغلاق مضيق هرمز أو هجمات الحوثيين في باب المندب خاصة في ظل الحرب الأخيرة التي أثبتت هشاشة الممرات التقليدية وأظهرت أن الصومال يمكن أن يكون نقطة ارتكاز لوجستية لضمان استمرارية تدفق الطاقة إلى الأسواق العالمية, وتشير التقديرات إلى وجود احتياطيات نفطية محتملة في المياه الصومالية تتراوح بين 30 و40 مليار برميل مكافئ مما يعزز من جدوى هذا التوجه الاستراتيجي.
فيما يتعلق بالأمن الغذائي , فإن الصومال يمتلك مقومات هائلة تجعله سلة غذاء للخليج بأكمله فهو يعد أكبر مصدر للماشية الحية إلى أسواق الشرق الأوسط حيث يشكل قطاع الثروة الحيوانية الركيزة الأساسية للاقتصاد الصومالي ويسهم في توفير كميات هائلة من اللحوم تكفي لتلبية احتياجات دول الخليج , كما تمتلك الصومال ثروة سمكية هائلة على طول سواحلها المطلة على المحيط الهندي وخليج عدن وبحر العرب وإمكانيات زراعية واعدة حيث تشير خطط البلاد إلى السعي لزيادة الإنتاجية الزراعية بنسبة 60% خلال العقد الحالي وتوسيع الأراضي المروية لتعزيز الأمن الغذائي إقليميا ودوليا كما أن الصومال يمكن أن يصبح ممرا طبيعيا للإنتاج الغذائي الأفريقي إلى أسواق الخليج مستفيدا من موقعه كبوابة أفريقيا وعلاقاته التاريخية والتجارية الوثيقة مع شبه الجزيرة العربية.
هذا التوجه يتسق من أن الصومال أصبحت عنصرا محوريا لاستقرار منطقة البحر الأحمر وخليج عدن وأن دعم البنية التحتية اللوجستية للصومال يمثل استثمارا استراتيجيا في حماية الممرات البحرية وسلاسل الإمداد الإقليمية.
إن تحويل الصومال إلى مستودع استراتيجي للطاقة ومخزون آمن للغذاء لدول الخليج ليس مجرد خيار اقتصادي بل ضرورة جيوسياسية تفرضها التحولات الإقليمية ففي الوقت الذي تعيد فيه الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط تشكيل أولويات القوى الإقليمية ويتزايد فيه التنافس على النفوذ في القرن الأفريقي بين تركيا ومصر وقطر والإمارات والسعودية والصين وولايات المتحدة الامريكية فإن استثمار دول الخليج في البنية التحتية الصومالية سيعزز من مرونتها الاقتصادية ويحمي سلاسل الإمداد الحيوية ويضمن لها مواقع قدم استراتيجية في واحدة من أكثر المناطق حيوية في العالم بعيدا عن صراعات الشرق الأوسط المتأججة.
يشهد القرن الأفريقي إعادة تشكيل للتحالفات حيث تعزز تركيا وجودها كقوة مؤثرة ليس فقط من خلال التنقيب عن النفط ولكن أيضا بتعزيز تواجدها العسكري بما في ذلك نشر طائرات F-16 في مقديشو وتعيين ضابط تركي كقائد للجيش الصومالي كما تجري مفاوضات بين الصومال والصين لاتفاقيات تجارية تشمل تصدير المنتجات السمكية بدون رسوم جمركية بينما تتواصل المباحثات مع قطر لدعم السيادة الصومالية وتعزيز الأمن الملاحي خاصة بعد تداعيات الاعتراف بـ(أرض الصومال) وتوترات البحر الأحمر وفي الوقت نفسه نشرت مصر قواتها في الصومال مما يشير إلى تنافس متزايد على النفوذ في المنطقة , ما يجعل المشهد الحالي فريدا هو الترابط العميق بين ما يحدث في الشرق الأوسط وما يجري في القرن الأفريقي فالحصار الذي فرضته الحرب الأخيرة على مضيق هرمز وباب المندب أعاد إحياء الأهمية الاستراتيجية للصومال بشكل لم يسبق له مثيل , ففي وقت أصبحت فيه الممرات التقليدية لصادرات النفط الخليجية مهددة برزت أهمية الموانئ الصومالية كبوابات بديلة يمكن أن تخفف من وطأة الحصار أو على الأقل توفر خيارات استراتيجية للقوى الإقليمية وبالمثل فإن التقارب السعودي الإسرائيلي عام 2017م وتصريحات أنور عشقي حول ضم القرن الأفريقي إلى إثيوبيا لم تكن مجرد تحولات منعزلة بل كانت جزءا من رؤية استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل النفوذ في المنطقة , في وقت كانت إيران توسع من نفوذها في البحر الأحمر عبر الحوثيين لكن الحرب الأخيرة كشفت محدودية هذه الرؤية إذ أثبتت أن إهمال الصومال وتهميشه يفتح الباب أمام نفوذ قوى أخرى ويخلق فراغا أمنيا يمكن أن يستغله الخصوم كما أن شعور مصر بالحصار الناتج عن أزمة سد النهضة وانهيار دول الجوار مثل السودان وليبيا دفعها إلى التحرك شرقا نحو البحر الأحمر والصومال حيث وجدت في تعزيز وجودها العسكري هناك وسيلة للضغط على إثيوبيا وكسر العزلة مما جعل القرن الأفريقي ساحة لتنافس إقليمي متجدد بين القاهرة وأديس أبابا على خلفية أزمة مياه النيل.
في خضم هذه التحولات المتلاحقة يقف القرن الأفريقي والصومال في قلبه أمام لحظة حاسمة تجمع بين فرص تنموية غير مسبوقة ومخاطر جيوسياسية معقدة فبينما تسعى الدولة الصومالية لاستعادة مكانتها كفاعل اقتصادي وأمني مؤثر مستفيدة من موقعها البحري الاستراتيجي وثرواتها النفطية المحتملة فإنها تواجه تحديات هيكلية تتعلق بمكافحة الإرهاب وبناء المؤسسات وإدارة الثروات ومن النقاط الرئيسية المستخلصة أن أهمية الصومال الاستراتيجية تتزايد في ظل إغلاق مضيق هرمز وتهديد باب المندب حيث تبرز الموانئ الصومالية كخيار استراتيجي بديل مما يعيد تأكيد أن الصومال ليست مجرد دولة هامشية بل حديقة خلفية لدول جزيرة العرب وبوابة حيوية لأمن البحر الأحمر وأمن العربي كما أثبتت التطورات الأخيرة أن محاولات التخلي عن الصومال أو ضمه إلى إثيوبيا كما اقترح البعض عام 2017م كانت نظرة قاصرة تجاه عمق العلاقات التاريخية والجغرافية التي تربط شبه الجزيرة العربية بالصومال كما أن الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط وأزمة سد النهضة هما وجهان لعملة واحدة حيث يعيدان تشكيل موازين القوى في المنطقة ويدفعان القوى الإقليمية إلى إعادة النظر في استراتيجياتها تجاه القرن الأفريقي والصومال أصبح ساحة تنافس بين تركيا ومصر وقطر والإمارات والسعودية وإسرائيل والصين وولايات المتحدة الامريكية التي شرعت ببناء قواعد عسكرية في ولاية بونتلاند مما يزيد من تعقيد المشهد ويستدعي سياسة صومالية ذكية توازن بين هذه المصالح المتضاربة وأخيرا فإن النهوض بالصومال يتطلب معالجة التحديات الأمنية وبناء المؤسسات وضمان الشفافية كما أن تحويل الصومال إلى مستودع استراتيجي للطاقة ومخزون آمن للغذاء لدول الخليج سيعزز من مرونتها الاقتصادية ويحمي سلاسل الإمداد الحيوية وسيكون نجاح هذا المسار الجديد رهنا بقدرة الصومال على تحويل موقعه الاستراتيجي وثرواته المحتملة إلى عوامل استقرار وازدهار بعيدا عن شرك الصراعات الإقليمية وضعف المؤسسات وبالتزامن مع إدراك القوى الإقليمية والدولية أن استقرار الصومال يشكل ركيزة أساسية لأمن البحر الأحمر والخليج العربي بأكمله خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية التي جعلت المنطقة بأسرها في مفترق طرق حاسم.
ناصر بن ساعد المجيرتين
خبير قانوني وأمني
IDILNEWS
